لن يُحسم مستقبل الذكاء الاصطناعي في السعودية داخل مراكز البيانات، بل داخل فصول الرياضيات.

خلال الفترة الماضية، كنت أراجع بعض الأرقام المتعلقة بمنظومة الذكاء الاصطناعي في المملكة، وكلما اكتملت أمامي الصورة، وصلت إلى نتيجة واحدة: التحدي الذي أمامنا ليس نقصًا في رأس المال، ولا في البنية التحتية، ولا في الطاقة. فهذه مجالات تمتلك فيها المملكة مقومات كبيرة جدًا.

التحدي الحقيقي هو الإنسان، وتحديدًا: كيف نبني الإنسان القادر على قيادة هذا المجال منذ المدرسة؟

وهذه ليست دعوة للتشاؤم، بل على العكس. لأن المشكلة، في رأيي، واضحة ويمكن التعامل معها إذا وُجّه الاستثمار إلى المكان الصحيح.

أولًا: ما تحقق خلال السنوات الماضية مهم فعلًا

لدينا أكثر من 38 ألف خريج في تخصصات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي بين عامي 2019 و2023. كما أن 86% من الجامعات السعودية تقدم برامج بكالوريوس مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، و56% تقدم برامج ماجستير، و9% تقدم برامج دكتوراه مرتبطة بالمجال. وارتفع عدد الخريجين في هذه التخصصات بشكل كبير خلال الفترة نفسها.

هذه أرقام مهمة، وتعكس توسعًا حقيقيًا في قاعدة المواهب السعودية في مجالات علوم الحاسب، وهندسة الحاسب، والذكاء الاصطناعي والتخصصات المرتبطة بها.

وهذه نقلة كبيرة مقارنة بما كان عليه الوضع قبل عشر سنوات.

لكن السؤال الأهم:

هل توسّعت القاعدة بالسرعة نفسها التي توسّعت بها القمة؟

هنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

ثانيًا: ماذا تقول لنا نتائج PISA؟

في اختبار PISA لعام 2022، جاءت نتائج الطلاب السعوديين في سن الخامسة عشرة على النحو الآتي:

  • الرياضيات: 389، مقابل 472 متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
  • القراءة: 383، مقابل 476.
  • العلوم: 390، مقابل 485.

لكنني أعتقد أن المتوسطات وحدها لا تعطي الصورة الأهم.

الأكثر دلالة هو توزيع الطلاب على مستويات الكفاءة.

نحو 30% فقط من الطلاب السعوديين بلغوا المستوى الثاني من الكفاءة في الرياضيات أو أعلى، مقابل 69% في متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

أما المستويان الخامس والسادس، وهما أعلى مستويات الأداء في الرياضيات، فلم يبلغهما إلا عدد ضئيل جدًا من الطلاب السعوديين، مقابل 9% في المتوسط لدى دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

لماذا يهمني هذا الرقم؟

لأن بناء باحث قادر على العمل في الحدود المتقدمة للذكاء الاصطناعي لا يبدأ في الدكتوراه.

يبدأ قبل ذلك بكثير.

الرياضيات ليست كل شيء في الذكاء الاصطناعي، لكنها تمثل جزءًا أساسيًا من الأسس التي يقوم عليها كثير من البحث المتقدم في التعلم الآلي: الجبر الخطي، والاحتمالات، والإحصاء، والتحسين، والمعادلات التفاضلية، وغيرها.

والأهم أن الفروق في القدرة الرياضية لا تظهر فجأة عند دخول الجامعة. كثير منها يبدأ في التشكل قبل ذلك بسنوات.

لهذا، عندما نسأل لاحقًا:

لماذا لا ننتج عددًا أكبر من الباحثين السعوديين في الذكاء الاصطناعي؟

قد لا تكمن الإجابة في عدد برامج الدكتوراه وحده.

ربما نحتاج إلى العودة خطوة إلى الوراء.

إلى المدرسة.

ومع ذلك، هناك جانب إيجابي مهم. المملكة حسّنت نتيجتها في الرياضيات مقارنة بعام 2018، وهو تحسن لافت، كما تشير بيانات OECD إلى تضيق الفجوة بين أعلى الطلاب أداءً وأدناهم في الرياضيات خلال الفترة 2018–2022.

إذن الاتجاه ليس خاطئًا.

لكن المستوى ما زال يحتاج إلى عمل كبير، وما نصلحه اليوم لن تظهر نتائجه كاملة إلا بعد سنوات طويلة.

هناك فجوة زمنية لا يمكن اختصارها بقرار إداري.

ثالثًا: المشكلة الثانية هي العمق البحثي

هناك فرق كبير بين أن يكون لدينا عدد كبير من خريجي الذكاء الاصطناعي، وبين أن يكون لدينا عدد كبير من الأشخاص القادرين على دفع حدود المجال إلى الأمام.

البحث المتقدم لا تُكتسب مهاراته من المقررات وحدها؛ بل يُبنى جزء كبير منه من خلال العمل اليومي مع باحث متمرس: قراءة الأوراق، وإعادة إنتاج النتائج، وبناء الفرضيات، والفشل، والتجربة مرة أخرى، ثم التعلم من كل ذلك.

وهنا يظهر عنق زجاجة آخر:

عدد الباحثين والمشرفين الفاعلين بحثيًا، الذين يعملون فعلًا على حدود المعرفة.

يمكنك أن تفتح عشرات البرامج الأكاديمية، لكنك لا تستطيع أن تُنتج مشرفي دكتوراه متميزين بالسرعة نفسها.

والنتيجة أننا قد نرى أعدادًا متزايدة من الخريجين القادرين على استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، بينما يبقى عدد القادرين على تطوير تقنيات جديدة محدودًا.

وكلا الأمرين مطلوب.

لكن أحدهما لا يعوض الآخر.

وهناك ثلاثة عوامل تجعل المسألة أكثر تعقيدًا.

1. سرعة تغير المجال

الذكاء الاصطناعي يتغير خلال أشهر، بينما اعتماد البرامج الأكاديمية وتحديثها قد يستغرق سنوات.

لذلك قد يصبح بعض المحتوى قديمًا قبل أن يأخذ مكانه في الخطة الدراسية.

2. مركز المعرفة لم يعد داخل الجامعة فقط

جزء كبير من التعلم الحقيقي يحدث اليوم في الأوراق المنشورة، وarXiv، وGitHub، والمجتمعات البحثية المفتوحة.

الطالب الذي لا يعرف كيف يدخل هذه المنظومة سيجد نفسه خارج جزء مهم من المعرفة، حتى لو كان يحمل شهادة جيدة.

3. الحوافز الأكاديمية

إذا كان تقييم الباحث يعتمد بدرجة كبيرة على عدد الأوراق وساعات التدريس، فقد يصبح من الطبيعي أن يتجه الباحث إلى مشاريع أكثر أمانًا وأسهل نشرًا.

لكن بناء منظومة بحثية قوية يحتاج أيضًا إلى مساحة للمشاريع عالية المخاطرة، والتي قد تفشل مرات عديدة قبل أن تنتج شيئًا مهمًا.

رابعًا: ماذا يمكن أن نفعل؟

في رأيي، هناك مجموعة من الخطوات العملية التي تستحق النقاش.

1. العودة إلى أساس المشكلة: الرياضيات والعلوم

أولها، وربما أهمها على المدى البعيد، هو العودة إلى أساس المشكلة: الرياضيات والعلوم في المدرسة، خصوصًا من الصف الرابع وحتى المرحلة الثانوية.

ليس المطلوب فقط زيادة عدد حصص الرياضيات، بل رفع مستوى المعلم نفسه وقدرته على تدريس المادة بعمق.

هذه ليست سياسة تعطي نتائج سريعة.

قد نبدأ اليوم ولا نرى أثرها الحقيقي على الباحثين إلا بعد أكثر من عشر سنوات.

لكن هذا تحديدًا هو نوع الاستثمار الذي يصعب تسويقه إعلاميًا، رغم أنه قد يكون من أعلى الاستثمارات عائدًا.

2. اكتشاف الموهوبين في سن مبكرة

نحتاج إلى مسار وطني لاكتشاف الطلاب المتفوقين في الرياضيات والعلوم في سن مبكرة، ثم إعطائهم بيئة مختلفة فعلًا: تدريب متخصص، ومرشدون، ومسابقات، ومشاريع بحثية، ووصول مبكر إلى الجامعات والمختبرات.

بدل أن ننتظر الطالب المتميز حتى يصل إلى الجامعة، لماذا لا نبدأ العمل معه عندما يكون عمره 13 أو 14 عامًا؟

3. فتح القدرة الحاسوبية للطلاب والباحثين

يمكننا الاستفادة من ميزة تمتلكها المملكة اليوم: القدرة الحاسوبية.

توفير ساعات حوسبة على وحدات GPU للباحثين والطلاب مقابل مقترح بحثي بسيط قد يكون أقل تكلفة بكثير من بناء منشآت جديدة، وفي الوقت نفسه يمكن أن يتيح آلاف التجارب والمشاريع التي قد تتحول إلى أبحاث حقيقية.

4. التركيز بدل التوزيع

أعتقد أننا بحاجة إلى قدر أكبر من التركيز.

ليس من الضروري أن تكون لدينا عشرات البرامج القوية في الذكاء الاصطناعي.

ربما يكون من الأفضل أن نمتلك عددًا أقل من المراكز، لكن كل مركز منها يمتلك باحثين متميزين، وطلاب دكتوراه، وقدرات حوسبية، وتمويلًا مستقرًا، وحرية بحثية حقيقية.

العمق أحيانًا أهم من الانتشار.

5. إصلاح «عقد العودة»

لا يكفي أن نبتعث طالبًا للدكتوراه ثم ننتظر منه أن يعود ليجد نفسه غارقًا في التدريس والإجراءات الإدارية.

إذا أردنا أن يعود الباحث، فيجب أن يجد عند عودته مختبرًا، وتمويلًا، وحوسبة، وطلابًا، وفريقًا، ووقتًا متاحًا للبحث بعيدًا عن الأعباء الإدارية.

بمعنى آخر:

لا نحتاج فقط إلى «عقد ابتعاث»، بل إلى «عقد عودة».

6. جعل الجامعة أقرب إلى الصناعة

يمكن أن تكون العلاقة بين الجامعات والصناعة أقوى بكثير.

برامج ماجستير ودكتوراه مشتركة مع أرامكو وسابك وقطاع الاتصالات والقطاع المصرفي، مثلًا، يمكن أن تربط الطالب بمشكلة حقيقية وبيانات حقيقية، بحيث لا تنتهي الرسالة عند حدود وثيقة أكاديمية، بل تتحول إلى نظام أو نموذج يمكن تشغيله واختباره فعليًا.

7. تغيير ما نقيسه

عدد البرامج والخريجين مهم، لكنه لا يخبرنا بالضرورة عن قوة البحث.

نحتاج أيضًا إلى النظر إلى مؤشرات مثل:

  • عدد الأبحاث عالية التأثير.
  • مشاركة الباحثين المقيمين في المملكة كمؤلفين رئيسيين في المؤتمرات الكبرى.
  • عدد طلاب الدكتوراه الذين تخرجوا على أيدي باحثين نشطين.
  • نسبة الباحثين العائدين الذين يستمرون في المملكة لسنوات طويلة.

لأن ما لا نقيسه جيدًا، يصعب علينا أن نديره جيدًا.

وماذا يستطيع الفرد أن يفعل؟

هذا الجزء ربما يكون الأقرب إليّ، لأن كثيرًا من الحلول السابقة تحتاج إلى قرارات مؤسسية.

أما على مستوى الأفراد، فهناك شيء يمكن بناؤه من اليوم:

كثافة الإرشاد.

نحتاج إلى مجتمعات صغيرة لكنها جادة: مجموعات لقراءة الأوراق العلمية، ومشاريع لإعادة إنتاج النتائج، ومشاركة في المصادر المفتوحة، ونقاشات مستمرة بين الباحثين والطلاب.

قد يبدو هذا بسيطًا جدًا أمام مليارات الريالات التي تُستثمر في الذكاء الاصطناعي.

لكنه في الحقيقة أحد الأشياء التي لا يستطيع المال شراءها بسهولة.

وفي النهاية، وجود فريق واحد فقط داخل المملكة ينشر باستمرار في المؤتمرات الكبرى، ويبني أدوات مفتوحة، ويعمل على مسائل حقيقية، قد يكون له أثر أكبر مما نتوقع على جيل كامل من الطلاب.

لأن الطالب في التاسعة عشرة من عمره، عندما يرى باحثًا قريبًا منه يفعل ذلك، قد تتغير نظرته إلى سؤال بسيط لكنه مهم جدًا:

«هل يمكنني أنا أيضًا أن أفعل ذلك؟»

الخلاصة

في رأيي، الفجوة ليست في الجامعة وحدها.

جزء كبير منها يبدأ بين سن العاشرة والسادسة عشرة.

وقد تبدو أرقام التعليم الجامعي مطمئنة لأنها تقيس من وصل إلى الجامعة، لكنها لا تخبرنا دائمًا بمن لم يصل أصلًا إلى المسار الذي نحتاجه.

والخبر الجيد أن هذه ليست مشكلة مستعصية.

المملكة لديها المال، والطاقة، والبنية التحتية، والجامعات، والقدرة على جذب أفضل الكفاءات.

ما نحتاجه هو أن نوجّه جزءًا أكبر من هذا الجهد إلى المكان الذي تبدأ منه المشكلة فعلًا.

الذكاء الاصطناعي ليس مجرد مسألة حوسبة. في النهاية، هو مسألة عقول.


المصادر

  1. OECD, PISA 2022 Results – Saudi Arabia: Country Note
  2. OECD, Education GPS – Saudi Arabia: Student Performance, PISA 2022
  3. SDAIA / State of AI in Saudi Arabia — بيانات التعليم والخريجين وبرامج الذكاء الاصطناعي.
  4. وكالة الأنباء السعودية — تقرير المملكة في تقنيات البيانات والذكاء الاصطناعي.